رسالة العدل والإحسان : وضوح للموقف وإبراء للذمة
بواسطة Fares بتاريخ 15 يناير, 2012 في 11:36 مساء | مصنفة في كُتّاب وآراء | لا تعليقات

خلقت جماعة العدل و الإحسان مرة أخرى الحدث هذا الأسبوع بعد القرار التاريخي الذي اتخذته مؤخرا بالانسحاب من حركة 20 فبراير، وذلك عندما بادرت يوم الثلاثاء 10 يناير 2012 ببعث رسالة إلى كل من المكتب التنفيذي لحركة التوحيد و الإصلاح، و الأمانة العامة لحزب العدالة و التنمية  تجيب من خلالها عن مواقف الحركة و الحزب من المشاركة في الحكومة، و دعم الإصلاحات المتخذة من طرف الملك.

صدور هذه الوثيقة في هذه المرحلة يحمل رسائل عديدة، كما يأتي في سياق خاص يتسم بتطور كبير للأحداث.

       في سياق الرسالة: تأتي رسالة جماعة العدل و الإحسان الموجهة لحركة التوحيد و الإصلاح وحزب العدالة و التنمية في سياق تطورات كبيرة و متتالية يشهدها المغرب مع إشراف مسلسل الإصلاح على نهايته، هذا الأخير الذي جاء جوابا على الاحتجاجات الشعبة التي انطلقت بعد هبوب نسمات الربيع العربي على المغرب، بعد ما وصل إلى مرحلة خروج الحكومة إلى حيز الوجود بعد محطة الاستفتاء الدستوري و الانتخابات التشريعية ل 25 نونبر ، كما أنها جاءت بعد قرار الجماعة الخروج من حركة 20 فبراير ، وما تبعه من تأويلات و قرارات من طرف أصدقاء و أعداء الجماعة، لعل أبرزها تلك التي اعتبرت خروج الجماعة من 20 فبراير هدية لحكومة بن كيران، بل هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحدت على أنها صفقة مع القصر، لكن هذا التأويل- في نظرنا- بدا غير صحيح تماما على اعتبار أن ضعف 20 فبراير  سيكون عاملا سلبيا للعدالة و التنمية و ليس في مصلحته، و قد تجلى ذلك خلال تشكيل الحكومة التي كانت تسير مشاورتها بسرعة كبيرة سرعان ما تفرملت بعد انسحاب الجماعة من الاحتجاجات العشرينية، وظهور عقبات كثيرة في وجه حكومة بنكيران. كما أن الرسالة تأتي بعد الدعوات المتكررة من رئيس الحكومة المعين للجماعة بالانخراط والعمل من داخل النظام وليس من خارجه، لتكون عكس الرسالة التي وصلته من حركة الإصلاح والتوحيد والتي عبرت له من خلالها الحركة بعد تهنئته” استعدادها لدعم كل المبادرات النوعية للحكومة المغربية الجديدة “.

         في إشارات الرسالة : قبل الحديث في ذلك لابد من إبداء ملاحظتين:

 الملاحظة الأولى هي إرسالها  من طرف مجلس إرشاد الجماعة وليس الأمانة العامة للدائرة السياسية، وكون هذا المجلس  يعتبر أعلى هيئة داخل مؤسسات الجماعة، يجعل الوثيقة لا تعبرعن موقفا سياسيا فقط بقدر ما تدخل في باب ” الدين النصيحة ” هذا المبدأ الذي يعتبر من أدبيات الجماعة، في محاورة الأصدقاء والأعداء مند رسالة الإسلام  أوالطوفان للملك الحسن الثاني ،مرورا بمذكرة لمن يهمه الأمر،وصولا لهذه المحطة من النصيحة.

الملاحظة الثانية تبرز في كون الرسالة وجهت للحركة والحزب معا وليس للحزب فقط، لذلك فهي تبدو من جهة بمثابة رد الدين للحركة بعد رسالة النصح في 2006 التي قدمتها التوحيد الإصلاح حول موضوع الرؤى للجماعة ، ومن جهة ثانية لإبراز الاختلاف الموجود بين مكونين من مكونات الحركة الإسلامية في المغرب، درءا لكل لبس من  الممكن أن يحصل عند العامة، بتحديد من هو من الإسلاميين يشارك في اللعبة ومن هو معارض لها، وكذا للاعتبار أن الحركة هي القوة التي تقف وراء الحزب وما هو إلا دراع سياسي لها.

يثير محتوى الوثيقة عدد من الرسائل:

      أولا : رد الجماعة الصريح والواضح على  دعوة بنكيران للعمل من داخل النظام: “نسمع اليوم بعض قياديكم يعبرون بجلاء عن الوصول وعن نجاح واجتهاد يجب على جماعة العدل والإحسان أن تعتقده وتعتنقه لتعمل به من داخل المؤسسات”، من هنا تأكد الجماعة على مواقفها المعروفة بعدم الاشتغال من داخل النظام من جهة، ومن جهة ثانية الرد الحاسم والواضح على دعوات بنكيران المتتالية للجماعة بالعمل وفق شروط اللعبة المرسومة، كما أنه في نظرنا جواب على ما قيل من كون الجماعة ذاهبة في اتجاه تأسيس حزب سياسي خاصة بعد خروجها من حركة 20 فبراير،  وتصحيح لما أصبح يروج بين الناس كون الجماعة سلبية ولا تتعاطى مع الإصلاحات الجديدة والتي شارك فيها العدالة والتنمية وحركة التوحيد و الإصلاح.

    ثانيا : تحميل الحزب والحركة  مسؤولية ما يقع فيه المغاربة من لبس وتزوير للعملية الساسية: ” في الوقت الذي دهب فيه التونسيون والمصريون إلى أبعد ما تيسر لهم من انتخاب لجنة  تأسيسية على مرأى ومسمع من الشعب وبكل شفافية … نجد ذلك عكس عندنا…كان الالتفاف و الروغان… و هنا إخوتنا الأفاضل نختلف معكم جذريا، ونعتبر- وهذا تقديرنا- أن تزكيتكم ودفاعكم عن هذا الدستور كان ما ساهمة في الالتفاف على المطالب الحقيقية للشعب”،لم تحمل الجماعة للحركة والحزب فقط المساهمة في تلبيس المغاربة، بل أكثر من ذلك تحملهم مسؤولية المساهمة الكبيرة في الالتفاف على فرصة تاريخية للتغيير ” ليست بالهينة مع العلم أن الفرص الكبرى لا تدوم إلى الأبد”،لذلك تبرئ الجماعة ذمتها أمام الشعب والتاريخ، على اعتبار أن هذا التحميل فيه رسالة كذلك لمن نعتها بعد الخروج من 20 فبراير بأنها تخلت عن الشعب، لتأكد بأن من فعل ذلك هي حركة التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية.

    ثالثا: العمل داخل المؤسسات مجرد ديكور: “فالمؤسسات التي تعملون وتدعون للعمل من داخلها هي في واقعنا المغربي هوامش على متن الاستبداد، وديكورات لتزيين الحكم المخزني”،بهذا تجيب الجماعة على دعوة العدالة والتنمية للعمل من داخل مؤسسات الدولة، بكونها لعبة في يد النظام، ولا مصداقية واستقلالية لها، بل مجرد  ديكور لتزيين وتسويق صورة النظام، وبالتالي فالجماعة غير مستعدة للانخراط في لعبة سياسية بالشروط المتوفرة حاليا. وأكثر من ذلك توضح الجماعة لحزب العدالة والتنمية بأن رئاستهم للحكومة “لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بسير طبيعي معالمه المنافسة الشريفة والمصداقية والكفاءة بل جاء نتيجة هذه التحولات التي عاشتها الأمة ولا تزال، ولم يكن المغرب استثناء.” هذا الوصول لم  يكن نتيجة عملية ديمقراطية واضحة وليس فرز ديمقراطي للمؤسسات بقدر ماهو نتيجة لإرادة النظام.

    رابعا : المشاركة في هذا الوضع القائم خدمة للاستبداد: تعتبر الجماعة أن الشروط المتوفرة حاليا في التجربة المغربية غير كفيلة بإخراج عملية ديمقراطية سليمة، بل أكثر من ذلك المشاركة في ظل هذا الوضع هي ” في أحسن الأحوال مضيعة للوقت وخدمة للاستبداد وتمكين له أشد التمكين”، وترد بذلك على تصريحات العدالة والتنمية  بكون دخولهم اللعبة السياسية ومشاركتهم فيها – هي من اجل الصالح العام وجلب الخير للبلد- بكونها لا تعدو أن تكون خدمة للاستبداد وتمديد في عمره، وبذلك تحمل الجماعة للحركة والحزب ولو بطريقة غير مباشرة المسؤولية في فشل الحراك الاجتماعي داخل المغرب.

    خامسا : طرح حل بديل : تطرح الجماعة في هذه الورقة كما في السابق من مبادراتها ميثاقا بين جميع “الشرفاء والفضلاء، لتعبئة رجال الأمة ونسائها قصد إحياء قيم الحرية والكرامة، والبدل والعطاء…  والعمل بصبر ومصابرة لقطع دابر الفساد والاستبداد، وبناء المؤسسات وتفعيلها على أساس العدل والشورى، والكفاءة العالية”. بهذه الفكرة تبدو الجماعة بمظهر المنتقد البناء وليس الهدام، على اعتبار أنها لا تدعي توفرها على حل لمشاكل المجتمع المغربي لوحدها، بقدر مل تدعو الجميع إلى الاتحاد لإخراج البلاد إلى بر الأمان.

تبدوا الجماعة من خلال هذه الرسالة أكثر توضيحا لمواقفها، بل أكثر من ذلك تسمي الأشياء بمسمياتها- عكس بيان خروجها  من حركة 20 فبراير، الذي ترك تأويلات كثيرة حول موقف الجماعة مما يجري من تطورات في المغرب، وفي الوطن العربي- خاصة بتحميلها للعدالة والتنمية والتوحيد والإصلاح هدر كرامة المغاربة وعيش حياة الذل والخنوع ” إنكم لا تريدون – كما لا نريد – أن تهدر دماء هذا الشعب الحبيب، ولكن في المقابل نأبى بقوة أن تهدر كرامته وأن يحيى حياة الذل والخنوع إلى الأبد”.

بقلم الباحث عبد الرحيم بندغة



اترك تعليقا